الرئيسية / مقالات / اليمين المتطرف.. دواعش أوروبا

اليمين المتطرف.. دواعش أوروبا

محمد عيد Headshot

اليمين المتطرف.. دواعش أوروبا

التطرف ليس صناعة إسلامية بامتياز، ونحن لسنا في حاجة لأن ندافع عن ديننا الإسلامي الحنيف؛ لننفي عنه وعن تعاليمه ومبادئه السمحة صفة العنف والإرهاب، كما أن التطرف ليس حكراً على ديانة بعينها، كما يحاول البعض الترويج لذلك، ولا يجوز بأي حال من الأحوال إلصاق التطرف بدين بعينه، فالعالم منذ قديم الأزل وهو يشهد موجات متعاقبة من التطرف، قد يعلو في حقبة زمنية،

وقد يخبو في أخرى، وهو في صعوده وهبوطه يعتمد بشكل أساسي على عدد من العوامل التي تتحكم في حركته، أبرزها اقتراب الدولة الأقوى في العالم من العدل، أو بعدها عنه، ففي الفترات التي سادت خلالها دولة العدل، تراجعت مساحة التطرف والغلو، وهي الفترات التي -في غالبيتها- تسيد خلالها المسلمون العالم، أما الفترات التي علت خلالها دولة الظلم والاستبداد والطغيان فنجد انتشاراً للتطرف، وكأن التطرف في علاقة طردية مع الاستبداد والطغيان وغياب العدل، وفي علاقة عكسية مع قيم العدل والديمقراطية والتسامح.

بالنظر إلى أوروبا وما يعتريها من تغيرات اجتماعية وسياسية، فإنه لا يمكن تجاهل حقيقة أن اليمين الأوروبي المتطرف يشكل خطراً على أوروبا ذاتها قبل أن يشكل خطراً على العالم أجمع، وكما أن العالم في حالة حرب مع داعش، فإنه يتوجب أن يعلن الحرب على اليمين المتطرف وتجفيف أفكاره، والسعي لتجفيف مصادر تمويله؛ لأنه لا يختلف كثيراً عن تنظيم داعش من حيث الأفكار والمعتقدات، فكلاهما ينفي الآخر المخالف ويدعو إلى إلغائه بالكلية، فاليمين المتطرف يرى في الإسلام خطراً على أوروبا ويدعو إلى محاربته، داعياً إلى وقف (أسلمة) القارة العجوز، كما يدعو إلى طرد المهاجرين وإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، تماماً كما تقوم به داعش من عمليات تهجير قسري لكل مخالفيها من داخل مناطق سيطرتها.

اليمين المتطرف لا يقتصر خطره فقط على اللاجئين والمهاجرين، بل يمتد إلى وحدة أوروبا السياسية والاقتصادية، فأحزاب اليمين كافة تدرج في برامجها السياسية ضرورة الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، وهو أمر يهدد وحدة دول القارة، كما أن الخطر يمتد إلى القيم والمبادئ التي قامت عليها أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية.

اليمين المتطرف، وإن كان يشارك -آنياً- في الحياة السياسية ويمارس الديمقراطية بأدواتها ووسائلها المختلفة، إلا أن ذلك لا يعني له إلا حصان طروادة الذي يصل به إلى هدفه، فاليمين المتطرف وإن كان يتخذ أشكالاً سياسية كأحزاب وحركات، إلا أن ذلك لا ينفي رفضه للديمقراطية شكلاً وموضوعاً، فالشعبوية لا تتلاقى مطلقاً مع قيم الديمقراطية، وتلك الأحزاب وإن كانت تقبل ذلك فإنها تتقبله على مضض حتى لا تصطدم بالغالبية المؤمنة بقيم الديمقراطية، وحتى لا تنجر إلى صراعات فرعية تشغلها عن صراعها وهدفها الرئيسي، لكنها وبعد أن تصل إلى منصات الحكم ستكون أول الكافرين بقيم الديمقراطية.

كما أن اليمين المتطرف بخطابه العدائي ضد الإسلام يثير حفيظة المسلمين وبعض الدول الإسلامية، وهو الأمر الذي قد يصدر العديد من الأزمات الدبلوماسية للحكومات الأوروبية، وقد بدا ذلك جلياً في الأزمة التركية – الهولندية، والأزمة التركية – الألمانية؛ حيث رضخت تلك الحكومات للضغوط التي مارستها أحزاب اليمين المتطرف عليها، وأملاً في كسب أصوات الناخبين بتبنيها لمطالب المتطرفين؛ حيث استطاع النائب عن حزب الشعب من أجل الحرية المتطرف خيرت فيلدرز التأثير على صناع القرار في الحكومة الهولندية من أجل إلغاء تجمعات دعائية لمسؤولين أتراك، بل وإطلاق الكلاب على محتجين أتراك داخل الأراضي الهولندية، وهي الأزمة التي لم تستطع الحكومة الهولندية لملمة تداعياتها وتأثيراتها، ولم تنجح محاولاتها بعد في احتواء تلك الأزمة، وهو الأمر الذي تكرر أيضاً في الأزمة التركية – الألمانية.
تمكن اليمين المتطرف من إصدار قوانين وتشريعات تقيد حرية المسلمين وتؤثر على أداء شعائرهم الدينية، فالبرلمان الأوروبي كان قد أقر قانوناً يجيز لصاحب العمل طرد الموظفة من عملها إذا ارتدت الحجاب، كما أن فرنسا وسويسرا كانا قد منعا منعاً تاماً ارتداء النقاب، وامتد إلى فرض غرامة، علاوة على حظر سويسرا للمآذن في المساجد، الحظر وإن جاء عن طريق استفتاء شعبي إلا أن ذلك يؤكد على تنامي شعبية وقوة اليمين المتطرف ومدى تأثيره على الشعوب، بل وعلى صناع القرار.

لا تختلف ممارسات اليمين الأوروبي المتطرف كثيراً عن ممارسات تنظيم داعش، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، فوفقاً لمنظمة “فيث ماترز” التي تراقب الكراهية ضد الإسلام، فقد وصل عدد الاعتداءات على المساجد في الدول الأوروبية إلى 642 اعتداء تنوعت بين الحرق الكامل والحرق الجزئي وإطلاق النيران وتشويه الجدران ورسم شعارات النازية عليها وكتابة عبارات متطرفة.

علاوة على نبش قبور المسلمين في بعض الدول، ونزع حجاب المسلمات في الشوارع والطرقات، بل وامتدت الاعتداءات إلى القتل.. وكلها ممارسات داعشية بامتياز.

اليمين المتطرف يشكل خطراً على حالة التعايش السلمي وحالة التجانس بين مختلف الديانات والأعراق في أوروبا وهي حالة قد لا نراها ثانية في حال تواصل صعود اليمين المتطرف في مختلف الدول الأوروبية.
لا نبالغ في القول بأن اليمين المتطرف قد قرع طبول الصدام بينه وبين الآخر، وفي القلب منه الإسلام، وقد يجر أوروبا إلى صراع دموي مع العالم الإسلامي على غرار الحروب الصليبية في القرون الوسطى، والأمر مرهون بمدى قدرة الأوروبيين شعوباً وحكومات ومنظمات على كبح جماح اليمين المتطرف ومحاربة أفكاره وإيقاف مسيرته، وإلا فلتنتظر أوروبا تفتتاً لوحدتها وعودة أخرى إلى بدايات القرن الماضي حين سادت الفاشية والنازية جنبات أوروبا بسبب صعود الشعبويين والمتطرفين إلى منصات الحكم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هذه محفزات “الإرهاب المضاد” تجاه المسلمين المقيمين في الغرب

هذه محفزات “الإرهاب المضاد” تجاه المسلمين المقيمين في الغرب العرب نيوز ينشر لكم جديد الاخبار ...